الجاحظ
178
العثمانية
منها أنه ليس من المهاجرين ، ولا ممن شهد بدرا ولا أحدا ، ولا لقى في الله ما لقى نظراؤه عند الناس كبلال وصهيب ، وخباب وعمار ، ولا كان من الذين آووا ونصروا ، وذكروا في القرآن وقدموا . وكان حديث الاسلام قليل المشاهد ، وإنما أسلم حين انحسرت الشدة وانكشف عنهم معظم الكربة ، ولكنه كان من الصالحين ومن الفضلاء المخلصين ، وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم وجيها ، وعند خلفائه مقربا ، وقد قال النبي فيه قولا حسنا ، ولكنه ليس من الأكفاء في الإمامة وموضع الشورى والخلافة ، فيكون قوله حجة تنتقض به الإمامة ، وطعنه عليه يصرف الخلافة . ثم آخر : أنا قد وجدناه ولى لعمر بن الخطاب على المدائن ، يقيم له الحدود ويجبى له الخراج ، ويدعو له على المنبر ، ويؤكد له خلافته ، وينفذ أمره ، مطيعا غير مكره ، ومخلى غير مقصور ، فولايته لعمر دليل على تصويب أبى بكر ، ومطيع عمر أذعن لأبي بكر ، ومعظم عمر أشد تعظيما لأبي بكر . ولقد كان يخرج آذن عمر والناس ببابه فيجعله في الفوج الأول . حتى روى عن أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في ذلك كلام مشهور : من ذلك أنهم كانوا بباب عمر في جلة من قريش والعرب ، مثل عيينة بن حصن وغيره ، إذ خرج آذن عمر فقال : أين بلال ؟ أين سلمان ؟ أين صهيب ؟ أين عمار ؟ ادخلوا . فتغيرت وجوههم واستبان الجزع فيهم ، فأقبل عليهم سهيل بن عمرو واعظا ، ومعربا ( 1 ) ومذكرا ،
--> ( 1 ) التعريب : التبيين والايضاح .